فخر الدين الرازي

52

تفسير الرازي

سورة الملك وهي ثلاثون آية مكية سورة الملك وتسمى المنجية : لأنها تنجي قارئها من عذاب القبر ، وعن ابن عباس أنه كان يسميها المجادلة لأنها تجادل عن قارئها في القبر ، وهي ثلاثون آية مكية . بسم الله الرحمن الرحيم * ( تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) * . أما قوله : * ( تبارك ) * فقد فسرناه في أول سورة الفرقان ، وأما قوله : * ( بيده الملك ) * فاعلم أن هذه اللفظة إنما تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكاً ومالكاً ، كما يقال : بيد فلان الأمر والنهي والحل والعقد ولا مدخل للجارحة في ذلك . قال صاحب " الكشاف " : * ( بيده الملك ) * على كل موجود ، * ( وهو على كل ) * ما لم يوجد من الممكنات * ( قدير ) * ، وقوله : * ( وهو على كل شيء قدير ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية احتج بها من زعم أن المعدوم شيء ، فقال قوله : * ( إن الله على كل شيء قدير ) * يقتضي كون مقدوره شيئاً ، فذلك الشيء الذي هو مقدور الله تعالى ، إما أن يكون موجوداً أو معدوماً ، لا جائز أن يكون موجوداً ، لأنه لو كان قادراً على الموجود ، لكان إما أن يكون قادراً على إيجاده وهو محال ، لأن إيجاد الموجود محال ، وإما أن يكون قادراً على إعدامه وهو محال ، لاستحالة وقوع الإعدام بالفاعل ، وذلك لأن القدرة صفة مؤثرة فلا بد لها من تأثير ، والعدم نفي محض ، فيستحيل جعل العدم أثر القدرة ، فيستحيل وقوع الإعدام بالفاعل فثبت أن الشيء الذي هو مقدور الله ليس بموجود ، فوجب أن يكون معدوماً ، فلزم أن يكون ذلك المعدوم شيئاً ، واحتج أصحابنا النافون لكون المعدوم شيئاً بهذه الآية فقالوا : لا شك أن الجوهر من حيث إنه جوهر شيء والسواد من حيث هو سواد شيء ، والله قادر على كل شيء . فبمقتضى هذه الآية يلزم أن يكون قادراً على الجوهر من حيث إنه جوهر ، وعلى السواد من حيث هو سواد ، وإذا كان كذلك كان كون الجوهر جوهراً ، والسواد سواداً واقعاً بالفاعل ، والفاعل المختار لا بد وأن يكون متقدماً على فعله ، فإذاً وجود الله وذاته متقدم على كون الجوهر جوهراً ، أو السواد سواداً ، فيلزم أن لا يكون المعدوم شيئاً وهو المطلوب ، ثم أجابوا عن شبهة